>> content
 الصفحة العربيةlogo      
  beirut.indymedia.org   إرسال المقال      الأخبار 
 
 
          

قطر تخرج من التاريخ.. والدراما التلفزيونية العربية تهرب منه..!

from د.وجدي العبدالله -

ومن سخرية القدر أنه سيكون على قطر، التي خرج تلفزيونها لهذا العام من ساحة إنتاج الدراما التاريخية، أن يختار لشاشته أحد هذين العملين؛ ويبدو أن خيارها سيأتي وفق ما تقتضيه القراءة الواعية لعملية التحول الحاصلة، هذا إن لم تكن قد عزفت، أساساً، عن مجرد عرض الدراما التاريخية على شاشتها..!




يسجل الإنتاج الدرامي التلفزيوني العربي لهذا العام تراجعاً في عدد الأعمال التاريخية المعدة للعرض في شهر رمضان.. الموسم الذي يفتح الأبواب مشرعة لهذا الشكل من الأعمال التلفزيونية، التي تقترن لدى المشاهد العربي بالطابع الروحي للشهر الفضيل، بل لأن التاريخ يقترب من أن يكون بالنسبة لهذا المشاهد جزءاً من الحياة الروحية، ويمثل استدعاءه طقساً روحياً.
وتبدو ظاهرة تراجع الأعمال التاريخية لهذا العام جدية تماماً، باقترانها مع انسحاب تلفزيون دولة قطر (الجهة المنتجة الأولى في هذا المجال) من إنتاج الدراما التاريخية، وتخليه الطوعي عن مكانته في عالم الإنتاج التلفزيوني، والتي عززها في السنوات الماضية من خلال مجموعة من الأعمال التاريخية الهامة (كمسلسل الحجاج).
وإذا عرفنا إن تلفزيون قطر أنتج لوحده العام الماضي على سبيل المثال ثلاثة أعمال تاريخية هامة؛ فإن هذا الانسحاب يبدو أكثر بكثير من مجرد مصادفة، (وأسوأ بكثير من ذلك إن كان حادثاً عرضياً)، ويفتح المجال للحديث عن قرار أكبر من حجم الجهة المعنية مباشرة، بمعنى أنه ليس قراراً إدارياً متعلقاً بالتلفزيون القطري، ولكنه على الأغلب قرار قطري.
فقطر التي تعتمد على فعالية الإعلام، في التأسيس والتمهيد لسياساتها، بدرجة أكبر مما نجد في أي دولة عربية أخرى، أوجدت ذراعاً إعلامية هائلة تتمثل بقناة الجزيرة، والتي يبرز من خلالها الجهد الإعلامي المباشر، ونشطت في السنوات الماضية في مجال إنتاج الدراما التلفزيونية مع تركيز على الدراما التاريخية، في جهد إعلامي غير مباشر يقدم نفسه من خلال الترفيه الراقي، ويؤسس لمعادل موضوعي للمباشرة التي تمثلها قناة الجزيرة، في صورة دولة قطر الإعلامية؛ وهو ما نجحت فيه من خلال احتلال المكانة الأولى في حقل إنتاج الدراما التاريخية.
وكما هي العادة عندما يتعلق الأمر بجهة قطرية، لا بد من التوقف ملياً عند احتمال وجود اعتبارات سياسية وراء قرار الانسحاب غير المعلن من هذا المجال؛ وهنا، لا بد من تسجيل إشارة إلى التجليات الجديدة في الموقف السياسي القطري، الذي تجسد مؤخرا في التصويت القطري في مجلس الأمن على الموضوع الإيراني بالذات، والدخول المكثف على موضوع الحرب الإسرائيلية على لبنان، سواء أكان في مجلس الأمن أم من خلال المؤسسات السياسية العربية.
وبطبيعة الحال، فإن من حق قطر أن تتصرف وفق أولوياتها، التي يلبي تلفزيونها الوطني (تلفزيون قطر) جزءاً منها من خلال ما ينتجه، ولكن الأولويات القطرية –مهما كانت- أدعى إلى احتفاظ قطر بمكانتها المتميزة في مجال الإنتاج الدرامي، والدراما التاريخية على وجه الخصوص، وهو ما يدعو إلى الاعتقاد أن غياب الدراما التاريخية قد يكون سببه ارتجال غير موفق، أو قرار شذ عن السياسات العامة.
إن تراجع الدور القطري في مجال الإنتاج التلفزيوني، وبالتحديد في مجال الدراما التاريخية، قد يكون أحد الأسباب التي تقف وراء انحسار الأعمال التاريخية لهذا العام، ولكن هذه ليست الحقيقة كلها، فقد يكون من الجدير البحث عن أسباب هذا التراجع في إطار فوضى سوق الإنتاج، حيث أن الدراما التاريخية تبقى ملكة الشاشة الرمضانية بلا منازع، ولا يمكن التخلي طوعاً عنها، استبعادها من اهتمام المنتجين الرئيسيين عن سابق قصد.
ومن الجدير بالانتباه أن تراجع مكانة قطر في مجال إنتاج الدراما التلفزيونية من جهة، قابله من جهة أخرى دخول إماراتي على خط إنتاج الدراما التي تعالج قضايا الإرهاب، التي كان القطريون أول من اقتحمه بمسلسل "الطريق إلى كابول"، حيث أُعلن منذ فترة وجيزة عن مسلسلي "سرايا الظلام" و"دعاة على أبواب جهنم"؛ أما السعودية، التي كانت سارت مع المخرج نجدت أنزور على "الطريق إلى كابول" بدءاً من العام الماضي من خلال مسلسل "الحور العين"، فقد واصلت رحلتها التلفزيونية مع قضية الإرهاب، هذا العام، من خلال مسلسل "المارقون" لنفس المخرج.
بينما جاء غياب القطريين المفاجيء عن ساحة الدراما التاريخية، ليرافقه من جهة أخرى دخول كويتي وآخر أردني - سوري على سوق هذا النوع الدرامي، من خلال مسلسلي "خالد بن الوليد" و"أبناء الرشيد: الأمين والمأمون"، اللذين قد يكونا العملان التاريخيان الوحيدان، لهذا العام؛ ومن اللافت أنهما يقودان الدراما التاريخية باتجاهين متباينين:
الأول: استدعاء البطولة من الماضي لمداعبة الوجدان العام والشعبي بالذات، من خلال شخصية قيادية وبطولية.
الثاني: تناول لحظة إشكالية من التاريخ العربي، في لحظة حساسة، وهي لحظة الصراع على الهوية العربية للدولة الإسلامية، ما بين رعايا الدولة العرب وغير العرب.
ومن سخرية القدر أنه سيكون على قطر، التي خرج تلفزيونها لهذا العام من ساحة إنتاج الدراما التاريخية، أن يختار لشاشته أحد هذين العملين؛ ويبدو أن خيارها سيأتي وفق ما تقتضيه القراءة الواعية لعملية التحول الحاصلة، هذا إن لم تكن قد عزفت، أساساً، عن مجرد عرض الدراما التاريخية على شاشتها..!


        
 
علّق على المقال
 
التعليقات